الراغب الأصفهاني
112
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
مفاضلة البديهة والرويّة ومدح الطّبع قال ابن الرومي في الحكم بينهما : نار الرويّة نار غير منضجة * وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضلها قوم لعاجلها * لكنّه عاجل يمضي مع الريح وقال معاوية لابن العاص « 1 » : أنا آدب منك ، فقال : أنا للبديهة وأنت للرويّة « 2 » ، وبينهما بون « 3 » . وممّا يؤكد تفضيل البديهة قول العبديّ في وصف البلاغة : أن تصيب فلا تخطئ وتعجل فلا تبطئ . وقيل : خير الفقه ما حاضرت به . وقال الحطيئة : فهذا بديه لا كتحبير قائل * إذا ما أراد القول زوّره شهرا واجتمع ابن مناذر وأبو العتاهية ، فقال أبو العتاهية : كم بيتا تقول في اليوم ؟ قال : مقدار عشرة أبيات . فقال أبو العتاهية : فأنا أقول مائتين . فقال : فإنك تقبل من شيطانك نحو : ألا يا عتبة الساعة ، أموت الساعة الساعة ، ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفا . قال المتنبّي : أبلغ ما يطلب النجاح به الطب * ع وعند التعمّق الزلل المعتذر لرفض طريقة من النسج قيل لنصيّب « 4 » : إنك لا تحسن الهجاء ، فقال : من ذا الذي لا يحسن مكان عافاه اللّه أخزاه اللّه ، ولكنّي رأيت الناس ثلاثة رجال : رجلا لم أسأله فلا ينبغي أن أهجوه ، ورجلا سألته فمنحني وهو الممدوح ، ورجلا سألته فلم يعط . فنفسي أحق بالهجاء إذ سوّلت لي أن أسأله . وقال عبد الملك للعجّاج : بلغني أنك لا تحسن أن تهجو ، فقال : من يقدر على تشييد أمكنة يمكنه إخرابها ، فقال : ما يمنعك من ذلك ؟ قال : أن لنا عزّا يمنع من أن نظلم ، وحلما يمنع من أن نظلم ، فعلام الهجاء ؟ فقال : كلامك أشعر من شعرك .
--> ( 1 ) ابن العاص : أي عمرو بن العاص . ( 2 ) الرويّة : إطالة النظر والقدرة على التأمل في طبيعة الأمور . ( 3 ) معناه أن مجاوزة الحدّ والمبالغة سبيل إلى الزلل والخطأ فالنجاح وليد ما يفعله الإنسان بطبعه وليس وليد التكلّف . ( 4 ) نصيّب : من شعراء الحجاز في العصر الإسلامي ، وهو نوبى الأصل وأسود اللون ، وكان مولى لكناني من أهل ودّان قرب مكة . وقد اتصل نصيب بعبد العزيز بن مردان بمصر فحرّره فحفظ يده ومدحه ( انظر الأغاني 1 / 324 ، والشعر والشعراء والموشح للمرزباني ) .